إن أجمل هندسة في الوجود ... هي أن نعرف كيف نبني جسراً من الأمل فوق نهر من اليأس


مُقبل موعد المهرجان... الذي نكتب الآن تاريخه...

عقولا كعقولنا، وشعوبا كشعوبنا

كتبهاعمار شعبان ، في 4 أكتوبر 2009 الساعة: 17:37 م

كما يقول الشاعر الفرنسي جان كوكتو أن "الفن ليس طريقة معقدة لقول أشياء بسيطة، بل طريقة بسيطة لقول أشياء معقدة". ما دفعني الى ذكر هذه المقولة هو محاولة الربط بين ما اراه على ارض الواقع وفيلم عادل امام "السفارة في العمارة" الذي شاهدته على شاشة التلفاز في الفترة الاخيرة.

قد يتفق معي الكثير ان مستوى الفيلم متواضع جدا من الناحية الفنية وهذا يتمثل في قصة ومضمون الفيلم والسيناريو والحوار هذا بالاضافة الى اداء الممثلين، وان البعض قد يصنفه من فئة الافلام التجارية التي اغرقت الساحة في السنوات الاخيرة.
لكن – ومن وجهة نظري الخاصة – ان الفيلم استطاع ان يجسد بمنتهى الدقة الحالة التي تعيشها شعوب دول العالم الثالث والعالم العربي خصوصا، بكل تلاوينها وطوائفها وتوجهاتها الفكرية والايدولوجية. وذلك من خلال ما تتعرض له الشخصية الرئيسية في الفيلم "شريف رمزي" - والذي يقوم بدورها عادل إمام نفسه – ذلك المواطن المصري البسيط والذي لا يهمه في الدنيا سوى السعي وراء اشباع رغباته ولذاته الشخصية في الحياة. شريف الذي لا يفقه أبجديات السياسية ولا دخل له فيها لا من قريب ولا من بعيد، فبعد عودته من دولة الامارات والتي قضى فيها سنوات شبابه يعمل مهندسا لدى إحدى الشركات يجد نفسه ساكنا جنب السفارة الاسرائيلية في مبنى واحد، يتحول شريف بين ليلة وضحاها الى بطل قومي والمدافع الاول والاخير عن القضية الفلسطينية عند الجماهير المصرية والعربية عندما يقرر ان يرفع دعوى قضائية لطرد السفارة من المبنى، ولسخرية القدرة ان تجعل منه نفس الجماهير التي هتفت له في بادئ الامر خائنا وعميلا عندما يقرر سحب الدعوى القضائية بعد ايام قليلة.
غريب امر الجماهير العربية تحركها العواطف وردات الفعل، فسرعان ما تفور هذه المشاعر وسرعان ما تخمد. هذا الفيلم يذكرني بالقضية التي شغلت الرأي العام العربي مطلع العام الجاري وما صاحبها من تضخيم إعلامي وجماهيري عربي ألا وهي قضية الصحفي العراقي "منتظر الزيدي" والذي تحول بين ليلة وضحاها هو الاخر الى بطل ورمز عربي تهتف بأسمه الجماهير ليلا ونهارا في المظاهرات والاعتصامات وتصدر في حقه ابيات الشعر ومقالات المدح وتغنى من اجله الاغاني وتنظم من اجله الندوات التضامنية والمهرجانات الخطابية. منتظر الزيدي الذي لم يكن له أي صيت قبل فعلته عندما قذف بحذائه الرئيس الامريكي "جورج دبليو بوش"، فنحن على يقين بأنه لو كان الزيدي فنانا أو مخترعا أو طبيبا وقدم خدمة جليلة الى الانسانية جمعاء مثل اختراع دواء لعلاج مرض السرطان أو الايدز مثلا، لما سمعنا به ولا عرفنا عنه خبرا في عالمنا العربي، ولكن أن يتحول إلى أيقونة زمانه بسبب رميه فردة حذائه فان ذلك يتطلب دراسة متعمقة ومتأنية لمشكلة حقيقية نعيشها كشعوب، وهي الانقياد خلف العواطف والتحشيد والتجييش الشعبي سواءا بتأثير من الحكومات أو التيارات والاحزاب السياسية المتعددة. هذا في النهاية يؤكد سطحية تفكير الشعوب العربية والتي وصلت بها إلى درجة أن تبحث عن كل ما يتعلق بحذاء الزيدي الشهير من قياسه الى بلد الصنع، فالبعض ادعى ان الزيدي اشترى الحذاء من تركيا والاخر قال بان الحذاء مستعمل واشتراه من مصر، إلى جانب أن يطلب تاجر خليجي بشراء الحذاء بمبلغ 10 ملايين دولار. والاطرف من هذا كله أن يتحفنا احد فناني الأغاني الرائجة المطرب الشعبي  "شعبان عبد الرحيم" بأغنية جديدة عن الجزمة وصاحبها. وقريبا قد نرى اغنية جديدة كلماتها " اصبح عندي الان جزمة، الى بغداد خذوني معكم" على غرار الاغنية الشهيرة الى كوكب الشرق "ام كلثوم".عجبي!!
ان الكرامة والشرف تتحقق عندما تكون الجماهير واعية قادرة على استخدام عقولها بشكل صحيح بعيدا عن الشعارات الفضفاضة التي تروج لها الحكومات والتيارات والاحزاب السياسية الموالية والمعارضة بمختلف الوانها بلا استثناء. هذا لا يتحقق الا بالتربية والتنشئة الصحيحة داخل البيت الواحد والسعي الى ترسيخ مبدأ وثقافة الحوار واعتماد الوسائل السلمية والحضارية في التعبير عن الرأي مع كائن من كان حتى وان كان عدوا. شخصيا اني جدا معجب بالاسلوب السلمي الذي اتبعه المهاتما غاندي في تحرير الهند من الاستعمار البريطاني واني استلهم قوله هنا "Hate the sin… not the sinner – اكره الخطئية، وليس المخطئ".
ما حدث الى الزيدي ينطبق على الكثير من الشخصيات التي تضخمها الجماهير وتعطيها اكثر من حقها كل على حسب افعاله، من اصحاب الكليشيهات والخطابات والشعارات الرنانة التي تسعى الى تجييش عواطف ومشاعر الفرد منا بعيدا عن مخاطبة العقل. ومنها ما تم تسليطه من أضواء على المغني شعبان عبد الرحيم لمجرد انه قد غنى أغنية "أنا بكره اسرائيل".
قد تكون الجماهير العربية معذورة في ردات فعلها العاطفية وسطحيتها بسبب اليأس والاحباط الذي تسرب إلى نفوسها خصوصا عندما يتعلق الأمر بالقضية الفلسطينية والغضب والحنق الشعبي تجاه السياسية الامريكية في المنطقة، ولكني على يقين بأن هذا ليس هو السبيل لمعالجة قضايانا والارتقاء بالمواطن والمجتمع في العالم العربي. يقول حازم صاغية في صحيفة الحياة اللندنية تعليقا على حادثة الزيدي "أيُقال بعد هذا إن عقولا كعقولنا، وشعوبا كشعوبنا، لا يليق بها إلا صدّام حسين؟!"
 
عمار شعبان
نشرة التقدمي
أغسطس – سبتمبر 2009
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : خربشات | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر