إن أجمل هندسة في الوجود ... هي أن نعرف كيف نبني جسراً من الأمل فوق نهر من اليأس


مُقبل موعد المهرجان... الذي نكتب الآن تاريخه...

حول التراكم المؤسسي

كتبهاعمار شعبان ، في 18 نوفمبر 2007 الساعة: 14:25 م

مقال أعجبني… للمفكر السعودي تركي الحمد… أترك لكم التعليق…
حول التراكم المؤسسي
 
تركي الحمد
 
يُضرب المثل في العدل عادة بعمر بن الخطاب، فصورته دائماً على أنه العدل مجسداً، حيث تُعتبر سنواته العشر في الخلافة قمة العدل في تاريخنا. وعندما يأتي الحديث عن النزاهة والمساواة، ووضع مصلحة الجماعة فوق كل اعتبار، وما يتعلق بكل ذلك من قيم وسلوكيات، دائماً ما يُضرب المثل بعلي بن أبي طالب أو عمر بن عبد العزيز، أو بهما معاً. وعندما يكون الحديث عن دور العقل في تاريخنا، أو عن قيمة الحرية في ثقافتنا، غالباً ما يُضرب المثل بأيام الخليفة المأمون خاصة. ولو جمعنا السنوات التي ساد فيها شيء من العدل والمساواة، وشيء من العقل، وبعض من الحرية في تاريخنا، لوجدنا أنها لا تتجاوز العقدين أو الثلاثة عقود في تاريخ يمتد لما يُقارب الخمسة عشر قرناً من الزمان، والسؤال هنا لماذا كان ذلك؟ لماذا لم يمتد عدل عمر لما بعد عمر، ولماذا لم يمتد عهد علي وعمر عبد العزيز والمأمون لما هو بعدهم من عهود؟
 
مثل هذه الظاهرة لا تقتصر على تاريخنا القديم، فهي ظاهرة ملحوظةحتى في تاريخنا الحديث والمعاصر. يأتي حاكم فيأمر وينهى، ويحكم عدداً من السنين،يفعل فيها ما يفعل، سواء كان ذلك سلباً أو إيجاباً، ثم لا يلبث أن يأتيه هادماللذات، ومفرق الجماعات، فيكون كأنه نسياً منسياً، أو أطلالاً لا هوية لها في أحسنالأحوال، لا أثراً ترك، ولا اسماً نقش، ويبدأ خليفته من الصفر، كما بدأ هو ذاته منالصفر، بحيث أصبح الصفر الذي ابتكره الأجداد منا وكأنه لعنة علينا لا انفكاك منها،أو عبء شديد الوطأة، ثقيل الأوزان.

ولو كان الأمر مقتصراً على التقلباتالسياسية العنيفة في تاريخنا، القديم منه والمعاصر، وما أكثرها، لكان الأمرمفهوماً، فالانقلاب والتقلب مخلوقان من طينة واحدة، وبالتالي فإن البدء من الصفرأمر مفهوم في مثل هذه الحالة، ولكن المشكلة هي أن جل أمورنا ـ ولا أقول كلها ـ تسيرعلى ذات المنحى، حتى عندما يكون السلف والخلف ينتميان إلى منظومة واحدة، أو ضمننخبة سياسية واحدة، ولنا في تاريخ بني أمية وبني العباس ومن بعدهم خيرمثال.

ويُعاد السؤال هنا كرة أخرى فنقول: لماذا؟

إجابة هذا السؤالتتلخص في جملة واحدة ألا وهي الفرق بين الشخصانية والمؤسساتية. فالتاريخ العربيبشكل عام هو تاريخ مشخصن، بمعنى تاريخ يتحكم به الأشخاص والأفراد قبل أي عامل آخر. لا نريد أن ندخل في جدل فلسفي هنا حول من هو المؤثر الرئيس في التاريخ، أهو الفردأم الظرف، بقدر ما أنه يمكن القول بأن الظرف كان مؤثراً في الشخصية العربية، إذانُظر للمسألة من زاوية التحليل طويل المدى، ولكن الشخصية العربية كانت محورة للظرففي ذات الوقت، حين يكون التحليل قصير المدى، في علاقة تفاعلية قد يتفوق فيها الظرفعلى الشخص أحياناً، في الأحقاب الطويلة، وقد يتفوق فيها الشخص على الظرف، فيالفترات القصيرة، أحياناً أخرى، وذلك حسب ما تمليه الأحداث وجريانها. في الحالةالعربية، سابقاً ولاحقاً، يمكن القول ان الفرد هو المؤثر الأكبر في التاريخ العربي،حين يُنظر إليه على شكل فترات متتابعة، بحيث تحول هذا التاريخ إلى تاريخ أشخاصوأفراد، يحدد فيه الأشخاص الأحداث والمصائر، وهنا تكمن مشكلة هذا التاريخ من حيثأنه يُصبح تاريخا ساكنا، لا روح فيه ولا تغير ملحوظا، كما في تاريخ أمم أخرى تجاوزتالشخصانية، وقفزت فوق أسوار الفردانية.

فحين تهيمن الشخصانية على تاريخمجتمع ما، تصبح الاستمرارية فيه صعبة إن لم نقل مستحيلة، فالاستمرارية لا تكون إلاحين تسود المؤسسات، وتتجسد الأفكار والإجراءات والإنجازات المتراكمة، في مؤسساتقادرة على الرسوخ والاستمرار. العدل العمري مثلاً انتهى برحيل صاحبه الفاروق، لأنهلم يتحول إلى مؤسسات قابلة للحياة بعد رحيل الحياة عن الشخص الذي رعاه، ولذلك كانمن السهل على القادمين الجدد إلى سدة السلطة أن يقلبوا الأمور رأساً على عقب بمجردرحيل صاحب الفكرة أو المبدأ أو القضية أو الانجاز. في ذات الوقت، نلاحظ أنه فيالمجتمعات التي تحكم فيها المؤسسة، من المستحيل على الفرد، مهما كان قوياً ومؤثراًوصاحب نفوذ، أن يُعيد كل شيء إلى نقطة صفر معينة، طالما كانت المؤسسة هي التي تحكموليس الفرد.

ففي أميركا أو بريطانيا أو فرنسا مثلاً، وغيرها من كياناتتُحكم بالمؤسسات، لا يستطيع رئيس الجمهورية، حتى إن كان كاريزمياً مثل لينكولن أوروزفلت أو كيندي أو ديغول أو ثاتشر، أن يُسير الأمور تسييراً كاملاً، أو يقلب كل ماجاء به السلف وفق نظرته الخاصة، طالما كانت المؤسسة هي المرجعية. ولذلك نجد أنه لوقارنا مثلاً بين رئيس أميركي يعيش في القرن الحادي والعشرين، وآخر من القرن التاسععشر، فإنه لا كبير فرق في جوهر الأمور، اللهم إلا في تفصيلات دقيقة تراكمت وأصبحتمؤسسات بذاتها، أما الخطوط العامة فهي مشتركة بين الجميع، حيث تحولت هذه الخطوط إلىمؤسسات مادية ملموسة، تضمن الاستمرارية، وتراكم الخبرة والتجربة، وهو عكس ما نجدهفي معظم فترات التاريخ العربي، القديم منه والمعاصر.

فقدان المأسسة،والتراكم المؤسسي التاريخي في مجتمع من المجتمعات، نتيجة هيمنة الشخصانية، له منالنتائج السلبية الشيء الكثير، لعل من أهمها هيمنة المؤسسات التقليدية، من قبيلةوطائفة وعائلة، وتحول العادات والتقاليد والأعراف، بسلبها وإيجابها، إلى مؤسساتبديلة، وأعتقد أنه هنا تكمن مأساة عرب اليوم. فالمجتمعات لا تقبل الفراغ، وعندما لايكون هناك مؤسسات حديثة أو مستحدثة، فإن البديل ليس الفراغ، بل هو هيمنة المؤسساتالتقليدية. وعندما يُضيق الخناق على نشوء مجتمع مدني متحرك ومتجدد، فإن النتيجة هينشوء «مجتمع مدني» بديل، إن صح التعبير، قائم على أساس مؤسسات تقليدية، ومن هنايُصبح المجتمع في حالة من الجمود وعدم القابلية للحراك. والأهم في ذلك كله، هو أنغياب المؤسسات المتجددة في المجتمع يؤدي إلى نوع من تشظي هذا المجتمع، حيث تضيقالولاءات، وتكون مستندة إلى مؤسسات تقليدية، مما يؤدي في النهاية إلى تصدع فيالولاء الرئيس والأساس، ونقصد بذلك الولاء للوطن، وهنا تكمن جذور الصراع فيالكيانات السياسية التي تفتقر إلى البناء المؤسسي المتجدد والراسخ، والتي يمكن أنيُصنف عالم العرب ضمنها، على اختلاف في الدرجة بين هذا البلد وذاك، ولكن فيالنهاية، كلنا في الهم عرب.

*
نقلا عن صحيفة "الشرق الأوسط" السعودية
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : عربي | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر